أبي منصور الماتريدي
66
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ تأويله - والله أعلم - أن في الشاهد من اتخذ ولدا إنما يتخذ لأحد وجوه ثلاثة : إما لحاجة تمسه ، أو لشهوة تغلبه ، أو لما يستنصر به على آخر ممن يخافه ، فإذا كان له ملك السماوات والأرض وملك ما فيهما كلهم عبيده وإماؤه ، فلا حاجة تقع له إلى الولد ؛ إذ هو الغني وله ملك ما في السماوات والأرض ومن هذا وصفه فلا يحتاج إلى الولد ، ولأنه لا أحد في الشاهد يحتمل طبعه اتخاذ الولد من عبيده وإمائه ، فإذا كان لله سبحانه الخلائق كلهم عبيده وإماؤه كيف احتمل اتخاذ الولد منهم لو جاز وقد بينا إحالة ذلك وفساده . ولأن الولد يكون من شكل الوالد ومن جنسه كالشريك يكون من شكل الشريك ومن جنسه فكان في نفي الشريك نفي الولد ؛ لأن معناهما واحد وكل ذي شكل له ضدّ ومن له ضد أو شكل فإنه لا ربوبية له ولا ألوهية . [ وقال بعضهم : قولهم : اتخذ الله ولدا ، لم يريدوا حقيقة الولد ، ولكن أرادوا منزلة الولد وكرامته ، فهو - أيضا - منفي عنه ؛ لأن من لا يحتمل الحقيقة - أعني : حقيقة
--> - « الأب » على « المبدئ » ، فمعنى قوله : « أبي » : مبدئي وموجدي ، وسمى عيسى ابنا ؛ تشريفا له كما سمى إبراهيم خليلا . وأيضا فمن كان متوجها لشيء ومقيما عليه يقال له : ابنه ، كما يقال : أبناء الدنيا وأبناء السبيل ؛ فجاز أن تكون تسمية عيسى بالابن ، لتوجهه في أكثر الأحوال إلى الحق واستغراقه أغلب الأوقات في جناب القدس ، ومما يؤكد ذلك : أنه جاء في الإصحاح السابع عشر من إنجيل ( يوحنا ) حيث دعا عيسى للحواريين ، ما لفظه : ( وكما أنت يا أبي بي وأنا بك فليكونوا هم أيضا نفسا واحدا لزمن أهل العلم بأنك أنت أرسلتني ، وأنا قد استودعتهم بالمجد الذي مجدتني به ودفعته إليهم ؛ ليكونوا على الإيمان كما أنا وأنت أيضا واحد ، وكما أنت حالّ في كذلك أنا فيهم ليكون كمالهم واحدا ) هذا لفظ الإنجيل ، وقد تبين منه معنى الاتحاد والحلول على وجه مغاير لما فهموه وجاء في الإصحاح التاسع عشر ما لفظه : ( إني صاعد إلى أبيكم وإلهي وإلهكم ) وهذا يدل بواسطة العطف على أن المراد من الأب : الإله ، وعلى أنه مساو لهم في معنى البنوة والعبودية . فهذه النصوص تدحض حجتهم ، وتلزمهم إذا أرادوا الحق بالرجوع إلى ما قضت به الأدلة العقلية المتقدمة من استحالة الاتحاد والحلول والبنوة . أما بعض اليهود الذين قالوا : إن عزيرا ابن الله فقد أشار الله تعالى إليه بقوله : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ نسب الله ذلك القول إلى اليهود مع أنه قول لطائفة منهم ؛ جريا على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ، والسبب الذي دعا هذه الطائفة إلى القول بأن عزيرا ابن الله : أن اليهود تركوا العمل بما في التوراة وعملوا بغير الحق ؛ فعاقبهم الله تعالى بأن أنساهم التوراة ونسخها من صدورهم ؛ فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه ؛ فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ، فأنذر قومه به ، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه ، فقالوا : ما تيسر لهذا العزير دون سواه إلا لأنه ابن الله . وهذه شبهة واهية لا يصح الاستناد إليها ؛ لأن إجابة المطلب مرتبطة بالقبول والقرب من الله والخضوع لأوامره واجتناب نواهيه ، لا بالبنوة كما يزعمون . ينظر : الدرر السنية في تنزيه الحضرة الإلهية لأحمد المستكاوي ص ( 32 - 35 ) .